القرطبي

14

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لم يضع ابن عيينة شيئا . وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا ، ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء لقال : من لم يستغن ، ولكن قال " يتغن " علمنا أنه أراد التغني . قال الطبري : المعروف عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع . وقال الشاعر : تغن بالشعر مهما كنت قائله * إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال : وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ، ولا نعلم أحد من أهل العلم قاله ، وأما احتجاجه بقول الأعشى : وكنت امرأ زمنا بالعراق * عفيف المناخ طويل التغن وزعم أنه أراد الاستغناء فإنه غلط منه ، وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة ، من قول العرب : غني فلان بمكان كذا أي أقام ، ومنه قوله تعالى : " كأن لم يغنوا فيه ( 1 ) " وأما استشهاده بقوله : * ونحن إذا متنا أشد تغانيا * فإنه إغفال منه ، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه ، كما يقال : تضارب الرجلان ، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه . ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد ، فغير جائز أن يقال : تغانى زيد وتضارب عمرو ، وكذلك غير جائز أن يقال : تغنى بمعنى استغنى . قلت : ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى ، فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا ، وذكره الهروي أيضا . وأما قوله : إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضيع كثيرة ، منها قول ابن عمر : وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام . وتقول العرب : طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل ، وهو كثير ، فيكون تغانى منها . وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام : " يتغن " الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الآخر ، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره ، لأنه مروي عن

--> ( 1 ) آية 92 سورة الأعراف .